سهيلة عبد الباعث الترجمان

657

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

أحدية الحق لا تدرك فإنه لا يدرك من كنه الحق إلّا الإنيّة والوحدة ، ولذا فإن العبد بعد خروجه عن إنيّته يدرك إنيّة الحق ، ويرمز إلى ذلك بطريق الإشارة ، معبرا عن هذه الحقيقة بقوله : " إعلم أن عين الحياة « * » مظهر الحقيقة الذاتية في هذا الوجود ، فافهم هذه الإشارات ، وفك رموز هذه العبارات ، ولا تطلب الأمر إلا من عينك بعد خروجك من إنيّتك ، لعلك تفوز بدرجة أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ « 1 » ، ويسمح لك الوقت أن تصير من حزبهم ، يعني حزب أهل العلم الإلهي كالخضر وموسى والإسكندر وأرسطو ، فتكون المراد بموسى وخضره وبالإسكندر والظلمات ونهره " « 2 » . يتضح لنا من ذلك أن الجيلي قد عمل على فك عقال الوجود ، وأخرجه عن مطلقيته بالحركة ونفيه للسكون لأنه محال بحقه تعالى . فتجلّى في مجاليه المختلفة من الأحدية والهويّة والإنيّة وكلها تتضمن الحقائق الإلهية والوجودية ، مما يتيح للذات الظهور في مرتبة وجودية مختلفة تظهر من خلالها في أحديتها وفي واحديتها ، أي من حيث هي ذات ساذج تبطن فيها حقائق الموجودات جميعها ، وكثرتها لا تظهر إلّا بظهور مجلى الواحدية والألوهية ، لما يقوم من تضمّن لهذه الكثرة وأصل لمنشئها ، وهي خير دليل على معرفة الذات طالما أن العالم المادي أو عالم الصفات حجاب يحجبها عن المعرفة ، ولكن بظهور إنيّتها تظهر الصفات على أنها ذوات الموجودات ، ويزول معها كل غموض وإبهام ، وتزول الإثنينية أو الغيرية عن اللّه ، وتصبح حقيقة الوجود حقيقة واحدة لا تعدد فيها ولا كثرة ، بل هي الوجود المطلق الحق الذي لا وجود فيه لغير اللّه . - التنزلات والتجليات : بعد أن أطلق الجيلي الحركة للوجود المطلق وجعلها ضرورة له لما تنطوي عليه من الصفات كالحياة والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر ، وغيرها من

--> ( * ) عين الحياة ، هي عين ينبع جاريا في جانب المغرب عند البلد المسمى بالأزيل المغرب ، ( الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 78 ) . ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 169 م . ( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 79 .